ثقافة كتاب "الطاهر الحداد.. فكر للتحرر" لبكار غريب: محاولة للخروج من القراءة المجزأة لكتابات وفكر الطاهر الحداد
شدد الكاتب بكار غريب خلال اللقاء التقديمي الاول لكتابه الجديد "الطاهر الحداد.. فكر للتحرر" والذي انتظم بمبادرة من قسم الدراسات والتوثيق للاتحاد العام التونسي للشغل، شدّد على تلازم البعدين النقابي والوطني في فكر الطاهر الحداد (1899 -1935) فضلا عن البعد التحرري الذي وسم اسمه منذ نشره لكتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" سنة 1930 .
وفي مستهل اللقاء الذي أدراه الأستاذ نزار بن صالح، ذكر هذا الأخير انّ الكتاب يقدّم شخصية تقاطعت مع الحركة النقابية وكتبت عن الحركة النقابية ونظّرت للصراعات الاجتماعية ولبروز نقابة تونسية وطنية حرّة ومستقلة عن النقابات الفرنسية. وأضاف بن صالح أنّ شخصية الطاهر الحداد -حسب الكاتب- مثيرة للجدل، فهو من ناحية محبوب ومعتبر كمرجع من المراجع الأساسية لجزء من المجتمع التونسي، وهو أيضا الى اليوم مشكوك فيه ومدعاة للنقاش والجدل لجزء آخر، وكأنّ الجدل الذي اثاره كتابه الأشهر "امرأتنا" الذي صدر في خريف 1930 يأبى ان يهدأ.
وأشار بن صالح الى أنّ الكاتب بكار غريب، وهو أستاذ جامعي وعميد سابق لكلية العلوم الاقتصادية بجندوبة، قدّم في كتابه "محاولة للخروج من القراءة المجزأة لكتابات وفكر الطاهر الحداد كمصلح أراد طرح قضية تحرر المرأة فقط في اطار ما سُمي بتيار حركة النهضة الذي كانت تعيشه المجتمعات العربية."
وفي هذا السياق، اعتبر بكار غريب انّ الحداد ساهم في ركيزتين أساسيتين من ركائز الانموذج المجتمعي التونسي ألا وهي مجلة الأحوال الشخصية واتحاد الشغل واللذان يُنظر الى تونس بفضلهما كاستثناء مجتمعي عربي. وأضاف الكاتب انه يمكن القول انّ الحداد انهزم في صراعه الفكري خلال حياته -وحتى جامعة عموم العملة التونسية التي أسسها سنة 1924 وعمره آنذاك 25 سنة قضى عليها المستعمر بعد 5 أشهر من نشأتها- لكن بمرور الزمن انتصر فكره والمبادئ التي دافع عنها.

وتساءل غريب عن معنى العودة اليوم الى الطاهر الحداد -الى جانب عامل الاعجاب بمسيرة الرجل- قائلا انّ العديد من التونسيين تساءلوا بعد الثورة عن من نحن وعن هويتنا التونسية وعادوا للآباء على غرار الثعالبي وبورقيبة وبن يوسف اما بعض التقدميين فعادوا الى الحداد المصلح الذي جدّد التأويل واهتم بموضوع تحرير المرأة. وبيّن الكاتب أنه عاد الى كتابات الحداد المختلفة (خواطر- مقالات- كتب) ليستنتج انّ في شعر الحداد أفكار قوية في بعض الأحيان اقوى حتى مما كتبه في النثر.
وأضاف غريب أنه عاد الى كتاب "العمال التونسيين" (1927) و"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" (1930) والخواطر التي دوّنها في صائفة 1933 عندما كان منبوذا. واستخلص الكاتب أن الحداد أكثر من مصلح بل هو مفكر ذو طرح تقدمي اهتم بالقضية المجتمعية في كتاب "امرأتنا" وبالقضية الاجتماعية في "العمال التونسيين"، وبالقضية الوطنية في مختلف كتاباته الصحفية. ففي المسألة الاجتماعية، انتقد الحداد الفقر المدقع الذي كانت تعيش على وقعه اغلب طبقات المجتمع التونسي مع الإشارة الى تأثير محمد علي الحامي على الحداد وذلك بعد عودة الحامي من برلين حيث درس بالجامعة الشعبية. أما المسألة الثانية التي انتقدها الحداد فهي تعلق التونسيين بالماضي الموهوم، فالتقاليد عند الحداد متسترة بالدين، وهو منها براء وفق رأيه.
وأشار بكار غريب الى احدى ميزات فكر الحداد وهي وعيه التاريخي الحاد، ووعيه بتطور الحياة وبالصيرورة التاريخية، وقد ناقش خصومه انطلاقا من هذه الفكرة. فالحداد انتقد الانقياد للماضي لأنه كان مدركا للآلية التي تدفع الشعوب العربية للهروب من الحاضر نحو الماضي وامجاده.
وقال غريب انّ الفكرة العبقرية للحداد حول الإسلام والشريعة انّ القرآن جاء ليرسل قيم العدالة والمساواة والحرية ولكنه جاء في مجتمع متخلّف في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع والعقليات لم تكن جاهزة لمثل هذه المفاهيم. واعتبر الحداد أنه كان على الفقهاء دعم الحقوق ومواصلة المسيرة لكنهم مع الأسف لم يدعموها بل تراجعوا عنها. واستطرد غريب قائلا انّ الحداد استعمل ثنائية الإسلام والجاهلية، فالاسلام وفق نظره تقدم وثورة وضد التمسك بتقاليد الآباء امّا أنصار "الجاهلية" فهم من يدافعون على التقاليد ويتشبثون بالشريعة ولذا يستخلص الحداد ان الجاهلية تغلبت على الإسلام.
وبشأن التردد الأيديولوجي الذي لاحظه البعض في مواقف الحداد، علق غريب قائلا ان لجوء الحداد الى الحجج الاشتراكية في بعض الأحيان والى الحجج الإسلامية في أحيان أخرى ليس بدليل عن تذبذبه الفكري بل دليل على حسن استعمال حججه، فعندما يُناقش ناس الشريعة مثلا يخاطبهم ويحاججهم بلغة الإسلام.
وقال غريب انه تبيّن أيديولوجية الحداد (sa vision du monde) في الخواطر التي صاغها وتطرق فيها الى مواضيع مختلفة مثل الاستعمار والإسلام والرأسمالية. واعتبر ان نظرته للعالم وهاجسه الأول هو "إرادة الحياة"، ففكر الحداد ليس صيحة ضد الاستعمار فحسب بل هو نقد للمجتمع التقليدي التونسي بدرجة أولى.
أما المحور الثاني للكتاب، فهو مرتبط بالمسألة الوطنية، وهي مسألة جوهرية لدى الحداد فتأسيس جامعة عموم العملة التونسية سنة 1924 قبل أن تكون مسألة اجتماعية هي مسألة وطنية، وهذا موقف واضح من الاستعمار. وقد كان للحداد على سبيل المثال موقف واضح من قضية التجنيس -اثر صدور أمر في ديسمبر 1923 يسمح بتجنيس التونسيين- اذ رفضها قطعيا ورأى فيها خطرا يحدق بالدولة التونسية حتى أنه وصف المتجنسين بالكفار المرتدين. وقال غريب ان الحداد ليس باللائكي مثلما نفهم اللائكية اليوم.
واعتبر غريب ان تأسيس جامعة عموم العملة التونسية سنة 1924 كان بمثابة التحدي الملحمي، فالبلاد كانت ترزح تحت الاستعمار وقد ساهم في تأسيس هذه النقابة 3 أطراف: الحداد ونقابة عمال الرصيف الذين كانوا يطالبون بتحسين أجورهم رغم اغراء السلطات الفرنسية بضمهم الى صفوفهم حتى تتحسن اجورهم آليا ومحمد علي الحامي ومجموعة المثقفين الذين كانوا يرافقونه.
وقد شكل اللقاء الذي انتظم بقاعة المناضل سعيد ڤاڤي بمقر اتحاد الشغل فرصة للنقاش والتجادل حول هذه الشخصية التونسية التحررية السبّاقة لعصرها والتي خصّها بكار غريب بكتاب "الطاهر الحداد.. فكر للتحرر".
شيراز بن مراد